محمد متولي الشعراوي
764
تفسير الشعراوي
ويقول الحق بعد ذلك : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 183 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 183 ) والحق سبحانه يبدأ هذه الآية الكريمة بترقيق الحكم الصادر بالتكليف القادم وهو الصيام فكأنه يقول : « يا من آمنتم بي واحببتمونى لقد كتبت عليكم الصيام » . وعندما يأتي الحكم ممن آمنت به فأنت تثق أنه يخصك بتكليف تأتى منه فائدة لك . وأضرب هذا المثل - وللّه المثل الأعلى - هب أنك تخاطب ابنك في أمر فيه مشقة ، لكن نتائجه مفيدة ، فأنت لا تقول له : « يا ابني افعل كذا » لكنك تقول له : « يا بنىّ افعل كذا » وكأنك تقول له : « يا صغيرى لا تأخذ العمل الذي أكلفك به بما فيه من مشقة بمقاييس عقلك غير الناضج ، ولكن خذ هذا التكليف بمقاييس عقل وتجربة والدك » . والمؤمنون يأخذون خطاب الحق لهم ب « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » بمقياس المحبة لكل ما يأتي منه سبحانه من تكليف حتى وإن كان فيه مشقة ، والمؤمنون بقبولهم للإيمان إنما يكونون مع الحق في التعاقد الإيمانى ، وهو سبحانه لم يكتب الصيام على من لا يؤمن به ؛ لأنه لا يدخل في دائرة التعاقد الإيمانى وسيلقى سعيرا . والصيام هو لون من الإمساك ؛ لأن معنى « صام » هو « أمسك » والحق يقول : فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ( من الآية 26 سورة مريم ) وهذا إمساك عن الكلام . إذن فالصوم : معناه الإمساك ، لكن الصوم التشريعي يعنى الصوم عن شهوتي البطن والفرج من الفجر وحتى الغروب . ومبدأ